أبو حامد الغزالي

36

محك النظر

الخمر هي المائع الذي يقذف بالزبد ، ثم يستحيل إلى الحموضة . ويجمع من العوارض واللوازم ما يساوي حقيقة ذات الخمر . - ويجيبنا عن ماهيّة الشيء وحقيقته ، ويسمّى حدا حقيقيا ، الخمر شراب معتصر من العنب « 1 » . وقد ركّز الإمام على التحديد الإسميّ الخاصّ باللغة العربية في المحكّ ، وحصر مكامن الغلط في الألفاظ . كما نبّه إلى ضرورة الاحتراز من « الألفاظ الغريبة والوحشية والمجازية البعيدة والمشتركة المتردّدة » « 2 » . ومن ثم يجب استعمال الألفاظ المعروفة ذات النص الصريح ، وإن اعتاص الأمر فليذكر المستعار أو لترد قرينة المصرّح من المعاني . ولم ينتقل في المحكّ ، ولا في مقدّمة المستصفى ، كما سنرى ، إلى تبنّي مفهوم الحدّ اللفظيّ طريقا يفيد التعريف بالحدّ . مع العلم أن الفقهاء ونظّار المسلمين لم يعرفوا سوى الحدّ اللفظيّ ، ولم ينادوا إلّا بالاتجاه الإسمي « 3 » . ومردّ هذا رفضهم الكليّات والماهيّات الأرسطويّة ، معتبرين أنّ الحقائق والمعاني الإسلامية موضوعة ، ولا يجوز تناول معان مغايرة لها . ويمكن القول إنّ الغزالي استمرّ في كتبه المنطقيّة القريبة من الفقه وخصوصيّة اللغة العربية بعملية المزج . فقال مثلا : « إعلم أنّ من طلب المعاني من الألفاظ ، ضاع وهلك كمن استدبر المغرب وهو يطلبه . ومن قرّر المعاني أوّلا في عقله بلا لفظ ، ثمّ أتبع المعاني الألفاظ فقد اهتدى . فلنقرّر المعاني ، فنقول : الشيء له في الوجود أربع مراتب ، الأولى حقيقة في نفسه ، الثانية ثبوت مثال حقيقة في الذهن وهو الذي يعبّر عنه بالعلم ،

--> ( 1 ) الغزالي ، المحكّ ، ص 92 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 98 . ( 3 ) ابن تيمية ، تقي الدين ، كتاب الرد على المنطقيّين ، بمباي ، دائرة المعارف العثمانيّة ، 1949 ، ص 14 - 15 .